يعيد هذا المقال قراءة استعارة «تعليم الطيور كيفية الطيران» لنسيم طالب، ويناقش السؤال: هل نتعلّم من المحاضرات الأكاديمية أم من الممارسة؟
تخيّل مجموعة من الأكاديميين الصُّلع في الستينيات من أعمارهم، من مؤسسات كبرى مثل جامعة هارفارد، يرتدون الرداء الأكاديمي الأسود، ويُلقون محاضرات على الطيور عن كيفية الطيران. يتحدثون بإنجليزية مثقلة بالمصطلحات المعقدة، تتخلّلها المعادلات الرياضية هنا وهناك.
وفجأةً يطير الطائر!
فيهرعون إلى قسم علم الطيور ليكتبوا الكتب والمقالات والتقارير التي تؤكد أن الطائر قد أطاع تعليماتهم، في استدلال سببي لا تشوبه شائبة. وبذلك يصبح قسم علم الطيور في هارفارد ضرورة لا غنى عنها لطيران الطيور، ويحصل على تمويلات بحثية حكومية لقاء مساهمته.
الرياضيات ← الملاحة الطيرية وتقنيات رفرفة الأجنحة ← طيران الطيور
وتشاء المصادفة أن الطيور لا تكتب مثل هذه الأوراق والكتب، فهي في النهاية مجرد طيور، ولذلك لا نطّلع أبداً على وجهة نظرها في القصة. وفي هذه الأثناء يواصل الكهنة بثّ روايتهم على أجيال جديدة من البشر لا يعرفون شيئاً عن الظروف التي سبقت أيام محاضرات هارفارد. ولا أحد يناقش احتمال أن الطيور لا تحتاج إلى المحاضرات أصلاً، ولا أحد لديه دافع للبحث في عدد الطيور التي تطير دون أي مساعدة من المؤسسة العلمية الكبرى.
المشكلة أن ما كتبته أعلاه يبدو سخيفاً، لكن تغيير المجال يجعله يبدو معقولاً. فمن الواضح أننا لا نعتقد أبداً أن الطيور تتعلم الطيران بفضل علماء الطيور، ولو اعتقد بعضهم ذلك لصعُب عليهم إقناع الطيور به. ولكن لماذا، حين نُضفي الطابع البشري ونستبدل البشر بـالطيور، تصبح فكرة أن الناس يتعلمون فعل الأشياء بفضل المحاضرات فكرةً مقبولة؟ فعندما يتعلق الأمر بالفاعلية البشرية، تختلط علينا الأمور فجأة.
هذه الاستعارة طرحها نسيم طالب في كتابه Antifragile: Things That Gain from Disorder.
ونسيم طالب لبناني-أمريكي، باحث إبستمولوجي (نظرية المعرفة) ومحلل مخاطر. وكتبه مكتوبة في الأصل بالإنجليزية، مع أن أصله عربي.
استعارة تعليم الطيور كيفية الطيران مثيرة للاهتمام لأنها توضح كيف تفقد عقولنا بوصلتها المنطقية بمجرد أن يتحول موضوع الحديث من الطيور إلى الإنسان.
في البداية، هناك نوعان من المعرفة:
1. النوع الأول: المعرفة الضمنية / التطبيقية (Tacit / Apophatic Knowledge): هي المعرفة القائمة على الخبرة والحدس والممارسة الفعلية، مثل ركوب الدراجة، أو الحس التجاري، أو الحرفة الميدانية. تتكوّن عبر التجربة والخطأ والاحتكاك بالواقع، ولا يمكن صياغتها بالكامل في قوانين أو كتب، ولا التعبير عنها بلغة صريحة ومباشرة.
2. النوع الثاني (الأكاديمي / المنظَّم): يقف حدّه عند البيئات المغلقة والخطية التي يمكن تجزئتها وعزل متغيراتها، مثل قوانين الفيزياء الكلاسيكية وقواعد النحو وصياغة الخوارزميات الثابتة. فإذا أدخلتَ «س» صادقة حصلتَ دائماً على نتيجة صادقة.
لا يوجد أي دليل ينفي أن الدور الذي يلعبه النوع الثاني من المعرفة ضئيل جداً، إلى درجة مضحكة.
في البداية، وأول ما قرأتُ هذه الاستعارة، سألتُ نفسي: كيف يقارن نسيم طالب غريزةً بيولوجية (الطيران) بعلمٍ مكتسَب؟
لكن دعونا نحلّل استعارته منطقياً.
تقوم الاستعارة على حجة أساسية، وهي أن البشر يتعلمون عن طريق الممارسة (النوع الأول من المعرفة) لا عن طريق النوع الثاني. ويستدل على ذلك بتاريخ التقنية، والأمثلة كثيرة: المحرك البخاري وعلم الديناميكا الحرارية، والأخوان رايت، والمضادات الحيوية.
وبالتالي فالمصدر الأساسي للمعرفة هو الممارسة والتجربة والخطأ (وهذا ما أثبته العلم التجريبي في العلوم المعرفية كما سنرى بعد قليل).
وكما قلنا سابقاً، لا يوجد دليل ينفي أن الدور الذي يلعبه النوع الثاني من المعرفة ( الأكاديمي ) ضئيل جداً.
قد لا يتفق معي بعضهم في هذه النقطة، محتجّين بأن كثيراً من المبتكرين والمخترعين قضوا مسيرتهم كلها في الأوساط الأكاديمية. والحقيقة أن هذه مغالطة السبب الزائف، فلو دقّقنا لوجدنا أن هذا الأكاديمي في الواقع ممارس.
استعارة نسيم طالب صحيحه كما سنرى ولكن كان بأمكانه أن يستخدم استعارة مختلفة تحلّ إشكالية مقارنة الغريزة الطبيعية بالعلم المكتسب، وهي قيادة الدراجة. فأنت لا تحتاج إلى كتب لتبدأ قيادتها، بل إن الكتب لن تكفيك؛ عليك أن تمارس لتتعلم القيادة. لكنّ اختيار نسيم طالب لاستعارة الطيور سببه موقفه المعرفي ومنهجه في التأليف، وعداؤه مع المؤسسة الأكاديمية؛ فهو يريد أن يسخر منهم.
وبهذا نكون قد حللنا إشكالية المقارنة بين الغريزة البيولوجية والعلم المكتسب.
أما القضية الأخرى فهي أن الطيران أو ركوب الدراجة يُتعلَّم بالممارسة، أي بالنوع الأول ( المعرفة الضمنية ) من المعرفة لا الثاني. ولكن كيف تبني نظام تشغيل بنفسك، على سبيل المثال، بالممارسة وحدها؟
لذلك قد يقول بعضهم إن الأكاديميين يشرحون النوع الثاني من المعرفة ( المعرفه الأكاديميه المنظمة )، لأنك ببساطة لا تستطيع تعلّم نظم التشغيل بالنوع الأول وحده، إذ تقوم على رموز اصطلاحية. فعلى سبيل المثال، حين تبني نظام تشغيل تحتاج إلى التواصل مع المعالج مباشرةً لتفعيل بعض الميزات ( Privileged ISA ) في معمارية RISC-V، وهذه المعمارية حدّدها بشر. ومن المستحيل أن تبني نظام تشغيل بالاعتماد على النوع الأول من المعرفة وحده.
لكن هذه الحجة باطلة، لأن العلوم المعرفية أثبتت أن التعلّم هو بناء نماذج ذهنية، أما النوع الثاني فمجرد معلومات ورسومات لا تبني نموذجاً ذهنياً عن نظام التشغيل.
يوجد مثال آخر مرّ عليّ حين كنت جالساً مع أحد أصدقائي, وهو طالب علوم حاسب، وكنت أشرح له فكرة الـ Virtual Machine. حاولتُ أن أشرحها له، وكرّرتُ الشرح أكثر مما فعل الدكتور نفسه، وضربتُ له الأمثلة، ومع ذلك لم تتضح الصورة في ذهنه.
لكن بمجرد أن فتحتُ اللابتوب وشغّلتُ برنامج VirtualBox، وبدأتُ بتخصيص الموارد ثم شغّلتُ نظام ويندوز، انبهر حين رآه. كانت تلك لحظة الإدراك المفاجئ (Aha moment).
في الحقيقة، نحتاج إلى مزيج من الممارسة والشروحات التي يقدّمها أشخاص ممارسون.
فعلى سبيل المثال، حين تتعلم الشبكات، يقول لك الأكاديمي إن بروتوكول HTTP هو Hypertext Transfer Protocol وهكذا دواليك، بينما يشرح لك حسين ناصر لماذا نحتاج إلى HTTP، ويجيب عن أسئلتك قبل أن تطرحها، ويتحدث بأسلوب بسيط وواضح. ولهذا السبب يساعدك حسين ناصر على بناء نموذج ذهني: لأن لديه هو نموذجاً ذهنياً، فيستطيع صياغة شرح مفهوم وواضح وربطه بنموذجك الذهني الحالي، في حين أن الأكاديمي لا يملك نموذجاً ذهنياً من الأساس. وأنا أتحدث هنا عن أغلب الأكاديميين، لا عن الأكاديميين الممارسين.
وبالتالي نكون قد أثبتنا هنا أن الأكاديميين الذين يشرحون بالسلايدات هم كمن يشرح للطيور كيفية الطيران.
© 2026 فيصل الحربي
.
faisalalharbi9915@gmail.com
.
القصيم 🇸🇦