مقال يستعرض مفهوم الضجيج التقني وكيفية تجنبه في مسارك المهني.
لطالما شغل موضوع هذا الضجيج بالي، وكلما رأيت مبتدئاً غارقاً فيه، زاد ذلك من دافعي لكتابة مقال لعل الفكرة تصل إلى الناس، فيتحرروا من صخب هذا الضجيج ويركزوا على ما هو أكثر نفعاً.
في عصرنا الحالي، بات الجميع يكتب وينشر، وأصبحت الخوارزميات تروج للمحتوى الذي يحصد التفاعل فحسب. فإذا انصبّ تركيزك على المتابعة ومحاولة الاستفادة من هذا المحتوى فقط، فلن تجني نفعاً؛ إذ ليس كل ما يُنشر حقيقياً أو يصب في مصلحتك، فالجميع يحاول بيعك شيئاً ما.
أعتقد أن المعضلة الكبرى تكمن في اعتقادنا بأنه طالما ظهر المحتوى بمظهر المفيد، فإننا سنستفيد منه ونتعلم بالضرورة. خذ الكتب على سبيل المثال؛ فقد بات بمقدور أي شخص تأليف كتاب ونشره، وليس حتماً أنك ستحقق فائدة بمجرد قراءته. إن مفهوم الفائدة أعقد من ذلك، وهذا الأمر يشمل كافة جوانب الحياة وجميع التخصصات، ولكنني سأركز في هذا المقال على أكثر المغالطات شيوعاً في مجالي: هندسة البرمجيات.
أرى الكثير من المنخرطين في المجال، ممن لا يقرؤون الكتب عادةً، يعتقدون أن جميع الكتب مفيدة دائماً ويفكرون في البدء بقراءتها. لكن الإشكالية تكمن في معايير الاختيار؛ فكثيرون يختارون كتباً من سلسلة Dummies أو كتباً نظرية بحتة، أو كتباً تشرح لغات البرمجة فحسب. ورغم أن قرار القراءة نابع من الرغبة في الاستزادة، إلا أنني أرى هذه النوعية من الكتب مناسبة للمبتدئين فقط، ولن تجد فيها ما يثير الاهتمام حقاً.
تأثير ليندي هو مفهوم نظري يشير إلى أن العمر المتوقع لبعض الأشياء (مثل الأفكار، الكتب، والتقنيات) يتناسب طردياً مع عمرها الحالي. بمعنى آخر: إذا استمرت تقنية ما لمدة 20 عاماً، فمن المتوقع أن تستمر لـ 20 عاماً أخرى، أما إذا كان عمرها 6 أشهر فقط، فالمتوقع أن تعيش 6 أشهر أخرى.
لغة C: على سبيل المثال، مستمرة منذ 50 عاماً، لذا يُتوقع لها البقاء لـ 50 عاماً إضافية. ورغم أن لغة Rust رائعة وتعالج مشاكل موجودة في C، إلا أن كل شيء حالياً مبني على لغة C، مثل Linux و Git.
لغة Java: استمرت لـ 30 عاماً، ومن المتوقع أن تعيش 30 عاماً أخرى.
مبادئ نظم التشغيل: الموجودة في في جميع نظم التشغيل قد صمدت، واحتمالية بقائها لفترة أطول كبيرة جداً.
والأمثلة تطول؛ لذا بدلاً من القراءة عن لغات البرمجة تحديداً، اقرأ كتباً عن نظم التشغيل، الشبكات، وتنظيم الحاسوب. هنا يكمن التطور الحقيقي في البرمجة.
بالنسبة لي، تُعد جافا سكريبت أكثر اللغات إثارة للضجيج، خاصة في الباك إند. أما في الفرونت إند، فمن المتوقع أن تستمر مكتبة React وإطار Next.js لفترة طويلة.
لا تشتت نفسك بأطر عمل أخرى فلن تجني منها فائدة، وغالباً ما يسعى المبرمجون الذين ابتكروها إلى الشهرة فحسب؛ ففي الواقع، أي مشروع حقيقي حالياً يتطلب React وNext.js فقط.
أما في الباك إند، فالضجيج أكبر؛ وإذا بحثت عن أطر العمل، فستجد الكثير منها مما قد يجعلك تظن أن جافا سكريبت هي أفضل لغة برمجة، لمجرد كثرة أطر عملها وحديث الجميع عنها في اليوتيوب. ولكن في الحقيقة هذا انحياز معرفي.
الواقع أن جافا سكريبت لغة ذات تصميم عشوائي وتفتقر إلى Standard Library؛ فمثلاً، إذا أردت التعامل مع الوقت، ستحتاج إلى تحميل Package معينة. وحتى أشهر إطار عمل في الباك إند وهو NestJS، يوفر لك الهيكل فقط، وعندما يتوسع المشروع ستجد نفسك تستخدم حزمات عشوائية ومكتبات قديمة لم يقم أحد بتحديثها.
لو نظرنا إلى الواقع، لوجدنا أن أغلب الشركات والجهات الحكومية تعتمد على Spring و ASP.NET، بالإضافة إلى لغات حديثة مثل Go.
في هذا الزمن الذي يسعى فيه الجميع لجذب انتباهك؛ المحتوى السريع، وأطر العمل التي تولد وتموت في عام واحد، والكتب التي تُؤلف لتسويق مؤلفيها؛ كلها مجرد ضجيج يشتت انتباهك عن الحقيقة الوحيدة في هندسة البرمجيات: الأساسات لا تموت.
بدلاً من تبديد طاقتك في مطاردة كل ترند جديدة، استثمر وقتك في التقنيات والعلوم التي أثبتت جدواها عبر العقود. تعلّم كيف يفكر الحاسوب، وكيف تنتقل البيانات في الشبكات، وكيف تُبنى الأنظمة التي تتحمل ضغط الملايين. حينها فقط، لن تكون مجرد مبرمج يؤدي مهاماً روتينية، بل ستكون مهندساً يمتلك الرؤية والقدرة على التكيف مع أي تقنية قادمة.
© 2026 فيصل الحربي
.
faisalalharbi9915@gmail.com
.
القصيم 🇸🇦